
في الحروب، لا تُقاس التحولات بما يجري على خطوط المواجهة وحدها، بل بما يحدث داخل معسكرات الخصوم، حيث تبدأ الشكوك في التسلل إلى النفوس، وتصبح الثقة عملة نادرة، ويغدو الانشقاق أو الاستسلام أحد المؤشرات التي يراقبها الجميع.
ومع التطورات العسكرية الأخيرة في ولايتي شمال كردفان والنيل الأزرق، تزايد تداول روايات عن استسلام أفراد وقيادات من قوات الدعم السريع، إلى جانب أحاديث عن وجود تنسيق بين بعض العناصر والجيش السوداني. ورغم الانتشار الواسع لهذه الروايات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فإن كثيراً منها لم يخضع بعد لتأكيد مستقل، الأمر الذي يفرض التعامل معها بحذر مهني، خاصة في ظل حرب إعلامية لا تقل ضراوة عن المعركة الميدانية.
الثابت أن الصراعات المسلحة لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، وإنما ترتكز أيضاً على الحرب النفسية والعمل الاستخباراتي، حيث تسعى كل الأطراف إلى جمع المعلومات، واختراق الخصم، وإرباكه، والتأثير في معنوياته قبل التأثير في مواقعه.
وعلى امتداد التاريخ السوداني، لعبت الأجهزة الاستخباراتية أدواراً مؤثرة في حماية الأمن القومي، وكانت العمليات الاستخباراتية الناجحة تعتمد على الصبر، وسرية المعلومات، ودقة التوقيت، أكثر من اعتمادها على الضجيج الإعلامي. فالنجاح الحقيقي في هذا المجال لا يُقاس بعدد التصريحات، وإنما بما يتحقق على أرض الواقع.
وفي الوقت نفسه، فإن التطورات الإقليمية، خاصة على الحدود الشرقية، تستوجب المتابعة الدقيقة والاعتماد على المعلومات الموثقة. فالأوضاع في منطقة الفشقة، وما يتداول بشأن التحركات العسكرية الإثيوبية، إضافة إلى التصعيد داخل إقليم تيغراي، تمثل ملفات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والإقليمية، وهو ما يجعل التحقق من الأخبار مسؤولية وطنية ومهنية قبل البناء عليها.
إن السودان يمر بمرحلة دقيقة تتطلب تماسكاً وطنياً ووعياً إعلامياً عالياً، لأن الشائعات أصبحت أحد أسلحة الحرب، وقد تكون في بعض الأحيان أكثر تأثيراً من الرصاص.
ويبقى الدرس الأهم أن قوة الدول لا تُبنى بالسلاح وحده، وإنما بوحدة شعبها، ومتانة مؤسساتها، وقدرتها على التمييز بين الحقيقة والإشاعة، وبين الخبر الموثق والرواية المتداولة.
وفي النهاية، سيظل السودان أكبر من كل المؤامرات، وأقوى من كل محاولات زعزعة استقراره، وسيكتب التاريخ أن الشعوب التي تتمسك بوحدتها وإرادتها قادرة على تجاوز أصعب المحن، مهما بلغت التحديات.

